أخبار ذات صلة
بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

عندما بدأت مرحلة التمييز لاختيار التخصص الذي سأتابع فيه دروسيّ اللاهوتيّة، كان هناك مُؤشراتٌ كثيرة تقودني نحو القانون الكنسيّ، سواء من خلال رغبة بعض المُكوّنين، أو مَيْلي الشخصيّ. ومع ذلك، لم يكن هذا الخيار يثيرُ الحماسة لدى كثيرين. فكانت ردودُ الفعل تتكرر كلَّما ذَكرتُ هذه الرغبة: ماذا سيفعلُ الِيسوعيّ بدراسةِ القانون الكنسيّ؟ كيف يمكن لهذا التخصص أن يخدم رسالتنا؟. كنتُ أسمعُ هذه الأسئلةَ وغيرها، وربما حملت بعضها في داخلي أيضًا.

قراءة المزيد

حين أستعيد مشواري الجامعي في بيروت، أشعر بامتنان عميق يغمرني. لقد كانت هذه الرحلة أكثر من مجرّد مرحلة دراسيّة، بل كانت تجربة حيّة وممتعة أثرتني على كل المستويات. عشت خلالها حياة جامعيّة نابضة، لا في الكتب والمحاضرات فقط، بل في العلاقات واللقاءات، في اللحظات الصغيرة والمواقف الكبيرة، في الأسئلة التي طرحتها، وفي الأجوبة التي وُلدت من رحم النقاش.

الجامعة لم تكن فقط مكانًا للتعلّم، بل كانت كما يجب أن تكون: مساحة لقاء. لقاء بالمعرفة، بالآخر، وبالذات.

في قلب هذا اللقاء، يظل معهد الآداب الشرقيّة الـILO  كما اعتدنا أن نقول، محفورًا في ذاكرتي كضوء مضيء، ترك في داخلي أثرًا خاصًا من الفكر والانفتاح، إذ اكتشفت فيه بعدًا إنسانيًا ومعرفيًا ساعدني على ربط التعليم بالحياة الفعليّة.

أما الحقل الفلسفي السياسي، فكان أكثر ما شدّني خلال هذه المرحلة. فيه وجدت تلك القضايا التي تسكنني، وتلك الأسئلة التي لم أكن أملك لها اسمًا بعد. ومن صفّ التأويل إلى مسائل الحريّة والجوهر، كنت أشعر أنني أتقدّم لا فقط على درب الفهم، بل على درب التكوين الذاتي العميق.

لكن الجامعة لم تكن فقط لقاء بالأفكار، بل كانت لقاءً بالبشر. فالروح التي تسكن هذه المؤسسة خلقت مناخًا فريدًا من الاحترام والتواصل الحقيقي بين الطلاب والأساتذة. لم تكن العلاقة عموديّة أو مغلقة، بل كانت علاقة متابعة واهتمام، سمحت لي بأن ألتقي بأساتذة وضعوا من ذاتهم في رسالتهم، من وقتهم، ومن محبّتهم، لا فقط من معرفتهم. نماذج ملهمة جعلتني أرى في التعليم رسالة لا وظيفة، ومرافقة لا تلقين.

كما أغنتني العلاقة مع زملائي الطلاب، إذ كانت المحادثات والنقاشات تستمر خارج الصف، وفي قلب الحياة اليوميّة، بما جعل من الفكر أمرًا حيًّا، حاضرًا في الجلسات اليوميّة، لا حبيس الصفوف أو الأوراق.

وفي نهاية هذا المسار، أجد أن ما استخلصته يتجاوز مضمون الدروس. لقد تعلّمت أهميّة “المساحات العامة”، تلك التي لا تحتضن الأجساد فحسب، بل تستقبل الأرواح والفكر والأسئلة. وهي بنظري جوهر رسالة أي مؤسسة تربويّة يسوعيّة: أن تكون مكان استقبال. فالمساحات العامة ليست مجرد فضاءات هندسيّة، بل هي فضاءات لقاء، وتفكير، ومشاركة، والأهم من ذلك: فضاءات وجود مشترك.

ثلاث سنوات مرّت، حفرت في داخلي معالم لمسار لم يكن أكاديميًا فقط، بل كان مسارًا وجوديًا عميقًا. لم تكن الجامعة مجرّد مكان للدراسة، بل صارت فسحة لقاء؛ لقاء مع الفكر، مع الأساتذة، مع الزملاء، ومع الذات. هناك، في تلك القاعات والممرات، تشكّل وعيي الفلسفيّ والسياسيّ، واختبرت أن العلاقة التربويّة يمكن أن تكون فعل محبّة، وأن بعض النماذج التربويّة لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تزرع الشغف، وتفتح المجال للتساؤل الدائم.

في هذا المناخ، نضجت رسالتي المسرحية والروحيّة، حيث استطعت أن أجد صلة بين التأمّل الفلسفيّ والعمل الميدانيّ، بين النصّ والعالم. من الصلوات إلى المسرح، ومن ورش العمل إلى استقبال اللاجئين، بدأتُ أرى في الفلسفة رسالة، وفي الروحانيّة دعوة لقراءة النصوص كما نقرأ الحياة بتأنٍّ، وباستعداد دائم للتأويل.

لكن الحدث الذي طبع هذا العام بطابعه الحاسم، وترك في داخلي أثرًا لا يُمحى، كان سقوط النظام.

صباح الثامن من كانون الأول، الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقة بتوقيت دمشق، لحظة كسرت منطقًا اعتدنا عليه طوال أربعة عشر عامًا من الصمت، والقمع، والإخفاء، والخوف.

كانت لحظة غير متوقعة، رغم كل أدوات التحليل، حتى أنّني قبلها بأيّام سألت “ChatGPT” عن احتمال سقوط النظام، فجاء الرد قاطعًا: “ذلك مستحيل”. لكن ها هو المستحيل يحدث، لا في كتب المنطق، بل في كتب الواقع. كان ذلك بعد أسبوع من التشتت والصّعوبة والضياع، أسبوعًا أُنهي فيه مشاريع الأبحاث وأستعد للامتحانات. وقبل أصعب الامتحانات، أي؛ قبل امتحان المنطق الصوري “سقط النظام” كاسرًا كل قواعد المنطق. سقط النظام، كاشفًا هشاشة المعادلات التي تحاول اختزال الحياة بقواعد صارمة. بعد أربعة عشر عامًا من الصمت وكبح الحريّات والإخفاء القسري، بعد عام على وصول ثالث تحذير لي بأن “أُقصّر لساني”

في تلك اللحظة، تمنّيت أن أشارك أستاذي خالد الفرح؛ ذاك الذي علّمني أن التعليم رسالة، وأن الحريّة تبدأ في الكلمة، في الفكرة، في الإيمان بقدرة الإنسان على التغيير. لكنّي لم أحتفل حينها، كنت أدرس قواعد “المنطق الصوريّ”، الذي غلبه في الساعة السادسة وثمانية عشر دقيقة في توقيت دمشق، “المنطق السوري” وفي داخلي كان يمتلئ برجاء جديد. 

أذكر أنّي كتبت على السبّورة المعلّقة على حائط غرفتي “لم أعد لاجئًا … لم أعد رهينة … أصبح لي وطن” 

اليوم، وأنا أخرج من هذه المرحلة محمّلاً بأدوات في الفلسفة السياسيّة، والعقد الاجتماعي، وأفكار عن العنف، والإسلام السياسي…؛ أشعر بمسؤوليّة عميقة تجاه وطني. لم تعد هذه المعارف شأنًا نظريًّا، بل ذخيرة أريد أن أضعها في خدمة سوريا الحرّة، سوريا التي يحيا فيها هتاف الثورة الأوّل من جديد: “حرية، حرية.”

الدارس جوليان زكّا الراسيّ اليسوعيّ

أخبار ذات صلة

بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

عندما بدأت مرحلة التمييز لاختيار التخصص الذي سأتابع فيه دروسيّ اللاهوتيّة، كان هناك مُؤشراتٌ كثيرة تقودني نحو القانون الكنسيّ، سواء من خلال رغبة بعض المُكوّنين، أو مَيْلي الشخصيّ. ومع ذلك، لم يكن هذا الخيار يثيرُ الحماسة لدى كثيرين. فكانت ردودُ الفعل تتكرر كلَّما ذَكرتُ هذه الرغبة: ماذا سيفعلُ الِيسوعيّ بدراسةِ القانون الكنسيّ؟ كيف يمكن لهذا التخصص أن يخدم رسالتنا؟. كنتُ أسمعُ هذه الأسئلةَ وغيرها، وربما حملت بعضها في داخلي أيضًا.

قراءة المزيد
Les Exercices Spirituels et l’intégration affective et sexuelle. Congrès international à Manrèse

Les Exercices Spirituels et l’intégration affective et sexuelle. Congrès international à Manrèse

Nous étions 81 participants, dont trois jésuites de notre Province, Zaki, Maged et moi. C’était mon premier séjour à la « Cova Sant Ignasi », même si je m’y étais rendu avec le groupe des scolastiques du Proche-Orient en 1999. Ce n’était qu’une courte visite. Cette fois, grâce aux groupes de prière matinale, j’ai pu visiter les lieux ignatiens. Cer-tains de ses lieux m’ont pris par surprise : là où Ignace a passé huit jours en extase, et là où il a sauvé une poule noyée… Tant pis pour les miracles, la vue du magnifique Montserrat faisait ma joie de chaque matin.

قراءة المزيد
Penser l’éducation en 2100

Penser l’éducation en 2100

L’Université Catholique de Lille, tout comme l’Université Saint-Joseph de Beyrouth, a célébré en 2025 ses cent cinquante ans d’existence. Fondée en 1875 par la hiérarchie catholique, elle a choisi de marquer cet anniversaire non seulement par une commémoration du passé, mais aussi par un exercice de prospective tourné vers l’avenir. La question qui a guidé cette démarche était aussi ambitieuse que nécessaire : à quoi pourrait ressembler l’éducation en 2100 ?

قراءة المزيد
لم أذهب إلى حلب لأغيّرها

لم أذهب إلى حلب لأغيّرها

عندما كنت أنهي سنتي الأخيرة في الفلسفة، كانت مشاعري مُحمّلة بترقّب لرسالة لم أعرف شكلها بعد. وقلق على مستقبل بلدٍ عاش الحرب لمدة خمسة عشر عامًا، ولم ينتهِ بعد من المجازر. سرعان ما تحوّل هذا القلق إلى حماسٍ لبداية جديدةٍ حين أُخبرت بأن خدمتي ستكون في مدينة حلب.

قراءة المزيد
Share This