أخبار ذات صلة
بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

عندما بدأت مرحلة التمييز لاختيار التخصص الذي سأتابع فيه دروسيّ اللاهوتيّة، كان هناك مُؤشراتٌ كثيرة تقودني نحو القانون الكنسيّ، سواء من خلال رغبة بعض المُكوّنين، أو مَيْلي الشخصيّ. ومع ذلك، لم يكن هذا الخيار يثيرُ الحماسة لدى كثيرين. فكانت ردودُ الفعل تتكرر كلَّما ذَكرتُ هذه الرغبة: ماذا سيفعلُ الِيسوعيّ بدراسةِ القانون الكنسيّ؟ كيف يمكن لهذا التخصص أن يخدم رسالتنا؟. كنتُ أسمعُ هذه الأسئلةَ وغيرها، وربما حملت بعضها في داخلي أيضًا.

قراءة المزيد

جنان إسبر (طالبة في اللاهوت)

إنّها السنة الثالثة على التوالي التي ينظّم فيها الأب سمير بشارة اليسوعيّ مسيرًا في الأراضي اللبنانيّة، مسيرًا نمرّن فيه الجسد والروح. وقد كانت لنا الحظوة هذه السنة أن نجول معه في  منطقة كسروان وذلك لمدّة يومين (9-10 تمّوز 2022).

وصل الفريق المشارك في المسير، والقادم من مختلف المناطق اللبنانيّة البعيدة منها والقريبة، الى بلدة حاريصا حيث كان موعد التجمّع في فندق “بيت عنيا” في تمام الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر السبت للانطلاق سيرًا على الأقدام وبدء المغامرة المسيريّة. 

بطبيعة الحال، كان موعدنا الأوّل في بيت الربّ حيث كانت هناك حلقة تعارف للفريق. والملفت أنّ المشاركين كانوا من مختلف الأعمار ومن مختلف المناطق اللبنانيّة كالشمال والجنوب والمتن والبقاع وبيروت، ومن مختلف البلدان ككندا وأميركا وسوريا، ك وكان هناك حضورًا ملفتًا لعدد من اليسوعيّين (ثلاث إخوة، وشمّاس، وبالطبع الأب سمير). بعد التعارف، تلَوْنا صلاة البدء وطلبنا من الرب أن يبارك مسيرنا.

وانطلقنا…

كانت الوجهة الأولى نزولًا سالكين “درب القمر” ذو الممرّات الضيّقة والمنزلقة قليلًا. ولكن هذا لم يمنعنا من التمتّع بالمشاهد الطبيعيّة التي تأسر القلوب والفكر، من أشجار صنوبر وسنديان تعلو صوب السماء فتُلقي ظلّها علينا وتقينا من أشعة الشمس، وأزهار تفترش الأرض، وسبيل مياه جاريًا لا يوقفه عائق، وفراشة ترقص أمامنا وتقود الطريق، وسكونٌ لا يُسمَع فيه إلّا ضحكاتنا وأحاديثنا مع بعضنا البعض، وحماسنا المُعدي، وتسبيحاتنا، والتراتيل التي كنّا ننشدها بين الحين والحين قد يصل صداها الى أعمق الوادي والى أعلى الجبل.

ومن ثمّ أكملنا سيرنا صعودًا لنصل الى كنيسة سيدة البشوشة في بكركي حيث كانت لنا استراحة قصيرة. فأقمنا الصلاة، وشربنا هناك من عين كانت تجري مياهها خلف تلك الكنيسة التي كانت تنتظر أن تستقبل عروسًا تُكَلَّل فيها مع عريسها لتصبح تلك الكنيسة المذبح الجديد لذاك العروسان.

وتابعنا المسير صعودًا على “درب المجوقل” الذي كان يطلّ على وادٍ عميق وطويل، يفصل بيننا وبين جبال شاهقة خضراء وعلى مدّ النظر، وكانت الشمس قد قاربت أن تنام ملقية أشعّتها الذهبية على هضاب تلك الجبال. أمام هذا المشهد المدهش كان لا بدّ وبعفويّة أن تعلو أصواتنا تسبيحًا وترنيمًا للإله الحيّ خالق السماوات والأرَض وكلّ ما فيها.

قبل وصولنا الى نهاية هذا الدرب، جلسنا في واحة مناسبة للاحتفال بالأفخارستيّا الذي ترأسّه الأب سمير وعاونه الشمّاس طوني حمصي اليسوعيّ. خلال الاحتفال كانت هناك فرصة لكلّ واحد منّا أن يشارك القليل من المخاوف التي تعتريه وقدّمناها جميعها أمام مذبح الربّ.

إنتهى الإحتفال الإفخارستيّ وقد غابت الشمس تمامًا وفرش الليل غطاءه الأسود الحالك، ولم يكن هناك خوف! أضاء كلّ واحد منّا مصباحه أمامه وأكملنا المسير حتى وصلنا الى نهاية درب المجوقل وهناك تناولنا العشاء المُعدّ لنا واسترحنا، الى حين.

بعدها أكملنا طريقنا لنعود الى فندق “بيت عنيا”، مكان منامتنا، وكانت الساعة قد تعدّت التاسعة والنصف مساءً. إستلم كلٌّ منّا غرفته، البعضُ منّا آثَر متابعة السهر أمام مزار سيدة لبنان والجوار، والبعض الآخر فضّل الاستراحة في غرفته كي ينهض مرتاحًا في اليوم التالي كما فعلتُ أنا.

وفي الصباح الباكر من يوم الأحد، استعدّ الجميع للإنطلاق من جديد بالمسير، ولكن كان يجب علينا أوّلًا أن نبدأ نهارنا كالعادة مع الربّ وفي بيته حيث شاركنا في سجودٍ أمام القربان المقدّس.

وحان موعد الإنطلاق…

قال لنا الأب سمير أنّنا لن نسلك في هذا اليوم طرقًا وعرة وأحراجًا بل سوف نسلك طرقات عامّة ونمرّ في قرى المنطقة الجميلة. وهكذا كان! 

لم يبالغ الأب سمير حين قال أنّ تلك المنطقة جميلة جدًّا، لا بل إنّها أكثر من جميلة. من جهة تحيطها الجبال الخضراء الشاسعة تزيّنها بيوتٌ أسقفتها من قرميد مزيّنة بدورها بالزهور المتنوّعة الأشكال والألوان، ومن جهة أخرى تقابلها وِديان خضراء وبحر أزرق يأخذ لونه من تلك السماء التي لا يحدّها شيء.

وجهتنا الأولى كانت جبل الرحمة في غوسطا. ولكن قبل وصولنا الى هناك كان لا بدّ أن نأخذ صورة تذكاريّة للفريق تشهد على مرورنا في ذلك المكان الذي يطلّ على البحر الأبيض المتوسطّ وسيدةّ لبنان وعيناها نحوه. ومن ثمّ تناولنا الفطور المعدّ لنا في واحة تطلّ على دير المخلّص، المتعارف عليه بدير الكْرَيْم لجمعيّة المرسلين الموارنة، والذي يعلو في الوادي وتحيطه الجبال والأشجار من كل صوب.

وأكملنا سيرنا عبر ممرّات ضيّقة معدّة للمشاة مظلّلة بالأشجار نسمع من هناك صوت الأجراس التي كانت تعلو من كنائس الوادي، حتى وصلنا الى جبل الرحمة الذي كان يرتفع عليه تمثال ليسوع، الرحمة الإلهية، المطلّ على الأزرق والمُعَدّ أن يدور على نفسه 360 درجة تلقائيًّا ويوميًّا في تمام الساعة الثالثة من بعد الظهر. دخلنا الكابيلّا الموجودة تحت المزار وتَلَوْنا بيتًا من مسبحة يسوع الوديع والمتواضع القلب، ثمّ جُلنا قليلًا في المكان وتابعنا بعدها مسيرنا صعودًا.

المحطّة التالية كانت كنيسة مار سمعان العاموديّ والتي كانت تحيطها كنائس عديدة. استرحنا قليلًا هناك وأخذنا صورة تذكاريّة أخرى للفريق أمام الصليب الزجاجيّ الذي كان يرتفع في الواحة المطلّة على البحر.

وتابعنا المسير نحو وجهتنا الأخيرة، نحو بلدة دْلبتا، وبالتحديد نحو دير سيّدة الحقلة، ختام مسيرنا. قبل الوصول الى الدير، استرحنا قرب نبعٍ مياهه باردة نرتوي ونغتسل، ففاجأتنا هناك إمرأة من المنطقة تقدّمت إلينا وكانت قد أعدّت لنا ركوة قهوة كبيرة كي نشربها. شكرنا تلك المرأة على مبادرتها اللطيفة وشربنا القهوة يملؤنا الإمتنان.

بعد ذلك انطلقنا نحو هدفنا الأخير وقد بقي لنا كيلومتران أخيران صعودًا. ربما كانا هذان الكيلومتران الأكثر صعوبة بالنسبة للبعض، ولكن الوجهة كانت تستحق هذا التعب. وصل الجميع الى دير سيّدة الحقلة وكانت إستراحة “المناضلين” أمام باحة الدير يغمرنا جميعًا الشعور بالسرور والإمتنان والإحتفال بالإنجاز التام للمسير.

استقبلتنا الأم أوليفيا، رئيسة الدير، في الكنيسة وأخذت تروي لنا تاريخ الدير. هل تعلمون أنّه أقدم دير في المنطقة ويعود بناؤه الى أكثر من 1600 سنة؟

وتروي الأم أوليفيا أنّ سيّدة الحقلة هي شفيعة الذين لم يرزقوا بأطفال، وأخبرت عن أعجوبة حصلت قديمًا مع إمرأة من دينٍ مغاير، أعادت إليها سيّدة الحقلة رضيعها الى الحياة، وتجسّدت تلك الأعجوبة في أيقونة أشارت إليها الأم أوليفيا كانت تعلو الحائط المقابل للمذبح. ثم تابعت الأم أوليفيا شرحها لأيقونة أخرى ثلاثيّة الأبعاد للسيّدة العذراء (رقادها، وانتقالها الى السماء، وتكليلها بالمجد) والتي كانت تعلو الحائط فوق المذبح، وغيرها من الأخبار المتفرّقة عن الدير.

بعد ذلك، تشاركنا طعام الغذاء المعدّ لنا، لينتهي مسيرنا كما بدأ في بيت الرب حيث كان الإحتفال بالأفخارستيّا وشكرنا فيه الرب على كلّ نعمه وبركاته.

إنتهى الإحتفال الأفخارستيّ وانتهى المسير، وكان يجب علينا أن نعود الى حياتنا وواقعنا. عُدنا بالباص الى فندق “بيت عنيا” في حاريصا حيث ودّع بعضنا البعض بحبٍّ ومودةٍ وسرورٍ بالتّعارف مردّدين “عقبال كل سنة”. ثمّ توجّه كلّ واحد منّا الى مركبته ليعود الى منزله من حيث أتى، حاملًا معه ذكريات جميلة لأشخاص ومزارات وأماكن ومناظر طبيعية تدهش العين وتنعش القلب والروح.

جنان إسبر (طالبة في اللاهوت)

أخبار ذات صلة
بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

عندما بدأت مرحلة التمييز لاختيار التخصص الذي سأتابع فيه دروسيّ اللاهوتيّة، كان هناك مُؤشراتٌ كثيرة تقودني نحو القانون الكنسيّ، سواء من خلال رغبة بعض المُكوّنين، أو مَيْلي الشخصيّ. ومع ذلك، لم يكن هذا الخيار يثيرُ الحماسة لدى كثيرين. فكانت ردودُ الفعل تتكرر كلَّما ذَكرتُ هذه الرغبة: ماذا سيفعلُ الِيسوعيّ بدراسةِ القانون الكنسيّ؟ كيف يمكن لهذا التخصص أن يخدم رسالتنا؟. كنتُ أسمعُ هذه الأسئلةَ وغيرها، وربما حملت بعضها في داخلي أيضًا.

قراءة المزيد
Les Exercices Spirituels et l’intégration affective et sexuelle. Congrès international à Manrèse

Les Exercices Spirituels et l’intégration affective et sexuelle. Congrès international à Manrèse

Nous étions 81 participants, dont trois jésuites de notre Province, Zaki, Maged et moi. C’était mon premier séjour à la « Cova Sant Ignasi », même si je m’y étais rendu avec le groupe des scolastiques du Proche-Orient en 1999. Ce n’était qu’une courte visite. Cette fois, grâce aux groupes de prière matinale, j’ai pu visiter les lieux ignatiens. Cer-tains de ses lieux m’ont pris par surprise : là où Ignace a passé huit jours en extase, et là où il a sauvé une poule noyée… Tant pis pour les miracles, la vue du magnifique Montserrat faisait ma joie de chaque matin.

قراءة المزيد
Penser l’éducation en 2100

Penser l’éducation en 2100

L’Université Catholique de Lille, tout comme l’Université Saint-Joseph de Beyrouth, a célébré en 2025 ses cent cinquante ans d’existence. Fondée en 1875 par la hiérarchie catholique, elle a choisi de marquer cet anniversaire non seulement par une commémoration du passé, mais aussi par un exercice de prospective tourné vers l’avenir. La question qui a guidé cette démarche était aussi ambitieuse que nécessaire : à quoi pourrait ressembler l’éducation en 2100 ?

قراءة المزيد
لم أذهب إلى حلب لأغيّرها

لم أذهب إلى حلب لأغيّرها

عندما كنت أنهي سنتي الأخيرة في الفلسفة، كانت مشاعري مُحمّلة بترقّب لرسالة لم أعرف شكلها بعد. وقلق على مستقبل بلدٍ عاش الحرب لمدة خمسة عشر عامًا، ولم ينتهِ بعد من المجازر. سرعان ما تحوّل هذا القلق إلى حماسٍ لبداية جديدةٍ حين أُخبرت بأن خدمتي ستكون في مدينة حلب.

قراءة المزيد
Share This