الطوباوي البطريرك الياس الحويّك والآباء اليسوعيّون: شراكة في خدمة الإيمان ولبنان
شكّل تطويب البطريرك المارونيّ الياس بطرس الحويّك، في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو ٢٠٢٦ في الديمان، مناسبةً كنسيّة ووطنيّة لاستعادة سيرة رجل جمع بين عمق الحياة الروحيّة، وجرأة الموقف الوطنيّ، والانفتاح على التعاون مع مختلف المؤسّسات والشخصيّات التي شاركته خدمة الإنسان ولبنان، وعنايته الخاصّة بتدريس الفتيات، وتأسيس لرهبانيّة العائلة المقدّسة المارونيّة في سبيل هذه الرسالة. وقد كان للآباء اليسوعيّين مكانة مميّزة في مسيرته، منذ سنوات تكوينه الأولى، وصولًا إلى مشاركتهم في دعم مشروعه الوطنيّ في لبنان، وروما، وفرنسا.
نشاطات سيدة النجاة – بكفيا
تابعت كنيسة سيدة النجاة في بكفيا خلال هذه السنة رسالتها في البشارة والتقديس والخدمة، منطلقةً من إيمانها بأن الكنيسة هي بيت الله المفتوح لجميع المؤمنين. وقد تميزت السنة ببرنامج رعوي غني شمل الاحتفالات الليتورجية، واللقاءات الروحية، والنشاطات الراعوية والاجتماعية، مما أسهم في تعزيز الحياة الإيمانية وتقوية روح الشركة والمحبة بين المؤمنين على اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم.
التّعليم المسيحيّ في حمص … ومسيرة الرّجاء
بعد سنة حملت الكثير من التحدّيات والظروف الصعبة، جاءت هذه السنة أكثر هدوءًا وأمانًا، الأمر الذي أتاح لنا، بنعمة ربّنا، أن نقدّم رسالتنا بثبات ورجاء.
النشأة والتنشئة
وُلد هِنري بُولاد في الإسكندريّة من والِدَيْن مِصريَّيْن، أصلهما من الشّوام، بالإضافة إلى أُصول والدته الأُوروبِّيّة. ودرس في مدرسة سان مارك – الفِرير (إخوة المدارس المسيحيّة). وبعد المسار الابتدائيِّ والإعداديِّ والثانويِّ الفنِّيّ، انتمى إلى الرهبانيّة اليسوعيّة في السنة 1950، حيث مضى سنتيّ الابتداء في بِكفيّا؛ وسنتيّ العُلوم الإنسانيّة في فرنسا، وكذلك ثلاث سنوات الفلسفة؛ وأربع سنوات اللاهوت في لُبنان. وارتسم كاهنًا بحسب الطقس البيزنطيِّ الملَكيِّ في يوليو 1963 ببيروت. وختم تكوينه في الولايات المُتّحدة حيث قام بـ’السنة الثالثة‘ من الابتداء، ونال بعدها درجة دِراسيّة عُليا في التربية وعِلم النفس واللاهوت الرُّوحيّ.
وكّلّفته الرهبانيّة بعِدّة خدمات رسوليّة، اتّصفت جميعها بتربية النشأ أو غيْرهم، وبعضها فِكريّة، وبعضها رُوحيّة، وبعضها إداريّة، وبعضها رِئاسيّة، وبعضها رعويّة، وبعضها إرساليّة. نودُّ أن نستخلص مِنها أهمّ ملامح شخصيّته المُميّزة وديناميّته الفاذّة في جميع الخدمات الرسوليّة التي قام بها، أيًّا كانت وأينما كانت. نذكر أهمَّها التي تُميِّز هذا الرجل الراهب، والكاهن المُفكِّر، والمُحاضر الكاتب، والواعظ المُؤثِّر، والمُربِّي الثاقب…
رُوح الانفتاح
تميّز الأب بولاد برُوح مُنفتحة، قد يعود أصلها إلى مدينة الإسكندريّه المُنفتحة على العالم بأجمعه مُنذ القِدم، بلا حُدود، وقد نشأ وتربّى فيها، ما أرسى قواعد شخصيّته الفاذّة. ومِمّا ساعده على تنمية هذه الخِصلة، انتماؤه إلى الرهبنة اليسوعيّة بنظرتها “الشّاملة” (بالفرنسيّة: Universalité) في مُعاملتها مع كُلِّ مُقوِّمات الشخصيّة وأجناس البشر، على قدر اتِّساع محبّة الله لجميع مخلوقاته. وكان الأب بولاد يُعلن في مُناسبات كثيرة رغبتَه الراسخة في أن “يُغيِّر العالم كُلّه”.
و كذلك الأمر برُوحانيّة رهبانيّته التي تحثُّ على السعي وراء “المزيد” و”الأفضل” و”الأنسب” (باللاتينيّة: Magis) في جميع الأعمال والأقوال، والمشاريع والإنجازات، والأحلام والتحقيقات… وكان الأب بولاد يميل إلى استفزاز الناس بانقلاب المثل الشعبيِّ المعروف: “مِدْ رِجلِيك على أَدْ بِساطك”، بقوله: “مِدْ بِساطك على أدْ رِجلِيك”، وذلك بلا كلل ولا ملل، بل بعزيمة مُثابرة تتجاوز الحُدود والحواجز والسُّدود، والمُعاكسات والمُعارضات التي كانت تُواجهُه.
ومِن بيْن إنْجزاته الحميدة الكثيرة، تنظيمه رِحلات وخدمات يقوم بها الشباب المِصريّ وغيرهمُ في بلد مِثل السُّودان الشقيق، فيُضحُّون ببرامج جداولهم ويُكرِّسون أشخاصَهم لخِدمة إخوتهم المُحتاجين إلى سَنَد إنسانيٍّ في مسيرتهم الحياتيّة، خِدمة إنسانيّة مجّانيّة.
وساير جميعَ خدماته في المجال التنْمويِّ والاجتمعاعيِّ بالرُّوح عينها، سواء في مُؤسَّسة كاريتاس أو جمعيّة الصعيد للتعليم والتنمية أو السنابل. ولم يبخل بأيِّ شيء، بل كان يبذل قصارى جُهده في خِدمة هذه الهيئات المُستحقّة كُلّ خِدمة ومُساندة وتحفيز، مُوليًا إيّاها كاملَ “استعدادِه” واهتمامه، أمانةً مِنه لتوصية إغناطيوس دي لويولا.
ويعود أصلُ تِلك الرُّوح المُتجاوزة ذاتها إلى عُمق إيمان الأب بولاد بالله، وبقِيامة يسوع المسيح المجيدة، وبسِعة محبّة الرُّوحِ الفيّاضة. وفي كُلِّ ذلك، كان مُلهمُه الأوّل، الأبَ بِيار تِيار دي شَرْدان اليسوعيّ، العالِم الأنثروبولوجيّ، لا سِيّما بكلامه الشامل الرائع حوْل “المسيح أوميغا” الذي يدمج في جسده المُمجَّد الخليقةَ بأجمعها.
رجل التربية
كان الأ ب بولاد مُربِّيًا من الطبقة الراقية. فكُلُّ ما كان يعيشه شخصيًّا من مواهب واختبارات إيمانيّة وإنسانيّة، كان يُشرك فيها تلاميذَه والمُصغين إليه، والقارئين كِتاباته الوافرة… وكانت هي تشهد له أنّه يعيشها شخصيًّا قبل أن يُعلِّمها، مُتمثِّلاً بشِعار أديبٍ من الأُدباء الفرنسيِّين المُعاصرين: “أفضل تعليم بالمَثل”. هكذا أسّس فنًه التربويّ على شِعار الأب بِدْرُو أرُّوبِه اليسوعيِّ، أحد رُؤسائنا العامِّيِّين المُعاصرين لجميع المُؤسّسات التربويّة اليسوعيّة : “تربية رِجالٍ ونِساءٍ لأجل الآخرين”، وكذلك شِعار البابا يوحنّا بُولس الثاني: “حُبُّ الفُقراء حُبًّا تفضيليًّا”… ولقد طبّقها الأب بولاد في علاقاته الشخصيّة وفي المُؤسّسات التربويّة التي عمل فيها سواء في وظائف إداريّة أو تعليميّة. وكان مِثالاً أعلى للمُربِّي السخيِّ المُضحِّي.
وإن كان مُربِّيًا طموحًا، فيعود فضل تِلك الخصِلة إلى إيمانه العميق الدفين بالله؛ وفي ذلك، استطاع أن يُطبِّق كلمة إغناطيوس دي لويولا، مُؤسِّس الرهبانيّة اليسوعيّة التي كان الأب بولاد ينتمي إليها: “البحث عن الله واكتشافه في كُلِّ شيء”. وإنّها ألهمته في جميع ما كان يعيشه ويختبره، بل ويُعلِّمه. وكان أصل نجاحه نبْع فيّاض من رُوح الصلاة والتأمُّل التي مارسها في جميع مراحل حياته وأنواع خدماته. وقد أضاف إغناطيوس إلى كلمته عِبارةَ “في كُلِّ شيء”، فالإنسان لا يُمجِّد الله في الصلاة والطُّقوس فحسْب، بل “في كُلِّ شيء”، لأنّ كُلّ خير يقوم به الإنسان يستمدُّه من نِعم الله المجّانيّة.
فضلاً عن ثِقة الأب بولاد الكاملة بما خلقه الله تعالى في الإنسان الحُرِّ من عقل ووِجدان وإرادة ومَلَكات أُخرى… وقد تميّز في عدم فصل عمل الله عن تجاوب الإنسان، بل جمعهما في وحدة تُضفي مِصداقيّة على العمل البشريّ. وإنّ تِلك الثِّقة تولِّد في الآخرين الرجاءَ والأمل والتفاؤل، ونحن في أمسِّ الحاجة إليها في أيّامنا العصيبة والمُكبّلة بالمشاكل، والمُتأزِّمة بالصِّراعات والأنانيّة والعُنف، حتّى تنتصر المحبّةُ في جميع أرجاء المسكونة، بطريقة سِرِّيّة لا تُرى في أغلب الحالات، ولكنّها حقيقيّة ويقينيّة، فلا ننسَ أنّ أهمَّ الأُمور وأدقَّ القضايا تتمُّ في الخفاء، لا يراها ولا يفطنها إلّا الإنسان المُؤمن والراجي والمُحبّ.
رجل الكلمة
كان الأب بولاد يعتزُّ بأنّ حضارتنا العربيّة شفهيّة أكثر مِنها كِتابيّة، حتّى إنّه اعتاد أن يُلقي كلماته بعفويّة، ويطلب من بعض معارفه تدوين النصِّ الشفهيّ، فيُعيد قِراءته ويُسلِّمها للطبع.
ومن المعروف عنه أنّه كان رجل الكلمة التي كانت دائمًا كلمة قاطعة، حاسمة، حادّة، كالسيف ذي الحدّيْن، مِثل كلام أنبياء العهد القديم الذين كانوا يُرافقون مسيرة شعبهم، فيُعَزُّونه ويُشجِّعونه عِند الحاجة، ويُندِّدون تصرُّفاته عِند خِيانته لعهد الله، ويُعلِّمونه مضمونَ ذلك العهد المُقدَّس في كُلِّ حِين، بل وفي غير حِينه. وكما كان الشعب يقبل تارةً ذلك الكلام ويرفضه طوْرًا، هكذا تعامل معه مُستمعوه؛ فصفّقوا له أحيانًا، ونقدوه أحيانًا أُخرى، ولم يكونوا قطّ غير مُبالين له. ولذلك ستظلُّ ذِكرى الأب بولاد حيّة لنا، نتعلّم مِنه بعد حياته كما كُنّا نتعلّم منه قبل مماته.
كلمة أخيرة: لم يعتمد الأب بولاد على ذاته وشُهرته وإمكاناته، بل كان يُؤمن بأنّ كُلّ شيء من الله تعالى، وإلى الله عزّ وجلّ يعود كُلُّ شيء؛ ذلك هو التواضُع الحقيقيّ. لذلك نختم كلامنا بصلاة التقدمة الإغناطيّة:
” خُذ، يا ربّ، واقبل حُرِّيّتي كُلّها
وذاكرتي وعقلي وإرادتي كُلّها
وكُلَّ ما هو لي، وكُلَّ ما هو عِندي.
أنت وهبتَ لي ذلك، فإليك أُعيده، يا ربّ.
كُلُّ شيء لك، فتصرّف فيه بكامل مشيئتك
هَب لي أن أُحبّك، هَب لي هذه النِّعمة
فهذا يكفيني “.
الأب فاضل سيداروس اليسوعيّ
أخبار ذات صلة
الطوباوي البطريرك الياس الحويّك والآباء اليسوعيّون: شراكة في خدمة الإيمان ولبنان
شكّل تطويب البطريرك المارونيّ الياس بطرس الحويّك، في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو ٢٠٢٦ في الديمان، مناسبةً كنسيّة ووطنيّة لاستعادة سيرة رجل جمع بين عمق الحياة الروحيّة، وجرأة الموقف الوطنيّ، والانفتاح على التعاون مع مختلف المؤسّسات والشخصيّات التي شاركته خدمة الإنسان ولبنان، وعنايته الخاصّة بتدريس الفتيات، وتأسيس لرهبانيّة العائلة المقدّسة المارونيّة في سبيل هذه الرسالة. وقد كان للآباء اليسوعيّين مكانة مميّزة في مسيرته، منذ سنوات تكوينه الأولى، وصولًا إلى مشاركتهم في دعم مشروعه الوطنيّ في لبنان، وروما، وفرنسا.
نشاطات سيدة النجاة – بكفيا
تابعت كنيسة سيدة النجاة في بكفيا خلال هذه السنة رسالتها في البشارة والتقديس والخدمة، منطلقةً من إيمانها بأن الكنيسة هي بيت الله المفتوح لجميع المؤمنين. وقد تميزت السنة ببرنامج رعوي غني شمل الاحتفالات الليتورجية، واللقاءات الروحية، والنشاطات الراعوية والاجتماعية، مما أسهم في تعزيز الحياة الإيمانية وتقوية روح الشركة والمحبة بين المؤمنين على اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم.
التّعليم المسيحيّ في حمص … ومسيرة الرّجاء
بعد سنة حملت الكثير من التحدّيات والظروف الصعبة، جاءت هذه السنة أكثر هدوءًا وأمانًا، الأمر الذي أتاح لنا، بنعمة ربّنا، أن نقدّم رسالتنا بثبات ورجاء.
Jésuites en Turquie: au service de l’Eglise locale
En Turquie, les jésuites sont principalement au service de l’Eglise locale dans la paroisse d’Ankara et ailleurs. La formation chrétienne des jeunes adultes, de différentes manières, a une importance toute particulière.
Jesuits In The Holy Land: A View from the Bethlehem Station
Our shared ministry life in the Bethlehem station aims at close accompaniment of the Palestinian people in the West Bank, although our work often takes us beyond those territories according to needs, invitations and friendships.
حدث تطويب البطريرك الياس الحويك
في يوم السبت ٢٥ تموز ٢٠٢٦، شهد الصرح البطريركي الصيفي في الديمان حدثاً تاريخياً استثنائياً: تطويب البطريرك الماروني الياس بطرس الحويك، مؤسس لبنان الكبير، وسط حضور رسمي وشعبي واسع، وبمشاركة ممثل البابا والفاتيكان.
