أخبار ذات صلة
Luke Olsen, the Newcomer to our province

Luke Olsen, the Newcomer to our province

My name is Luke and I’m happy to introduce myself to the province. I was born in Washington State in the western part of the United States. At university I studied French, theology, and peace studies. After university I studied theology again, earning a master’s degree in theology before entering the Society of Jesus in 2021.

قراءة المزيد

عندما كنت أنهي سنتي الأخيرة في الفلسفة، كانت مشاعري مُحمّلة بترقّب لرسالة لم أعرف شكلها بعد. وقلق على مستقبل بلدٍ عاش الحرب لمدة خمسة عشر عامًا، ولم ينتهِ بعد من المجازر. سرعان ما تحوّل هذا القلق إلى حماسٍ لبداية جديدةٍ حين أُخبرت بأن خدمتي ستكون في مدينة حلب.
عندما تخطو أولى خطواتك في هذه المدينة، لا بد أن تتجه عيناك نحو قلعتها. ستجدها فخورة، صلبة، رغم الجراح العميقة التي تركتها الحرب والزلزال على جسدها الحجري. هي تحاول جاهدة أن تبدو بأفضل حالها، وكأنها تريد أن تثير إعجابك، أن تثبت لك أنها ما زالت قائمة. إنها تريد أن تبدو قويّة، أن تروي تاريخها بصوت عالٍ، لا كصرخة مدفع، بل كأنشودة أجداد. وهذا تمامًا، هو حال أهل حلب. تاريخهم كتاريخ مدينتهم، متعدد الثقافات والأعراق، وقد ترك كلٌّ منهم بصمته على عواميدها التي مزجت بين البيزنطي والحمداني، والأيوبي والمملوكي والعثماني. إنها مدينة لا تعرف الوحدة النمطيّة، بل تزدهر بالاختلاف. وأحيانًا؛ تخاف منه.
ففي جانب الكنائس والجوامع، ستجد جاليات الأكراد، والشركس، والأرمن، والتركمان، والعشائر، كلٌّ يحمل ثقافته ولغته وذاكرته. وفي ظل هذا التنوع الفريد – الذي قد يكون أيضًا بذرة صراع – نحن نقوم برسالتنا. حيث لا نأتي لنوحّد هذا التنوع بالقسر، بل لنحتضنه، ولنعمل من خلاله ومن أجله.
هنا يصبح للدير في حلب رسالته؛ من خلال الفن والعمل المجتمعي والروحي، فرسالتنا ليست ترفًا ثقافيًّا، بل مساحة يلتقي فيها المختلفون دون أن يُطلب منهم أن يتخلوا عن اختلافهم. أن نخلق لغة مشتركة حين تعجز السياسة عن ذلك.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن العيش في سوريا دون أن يشعر الإنسان بثقل الواقع. الأزمة الاقتصاديّة، والجراح التي تركتها الحرب، والتجاذبات السياسيّة التي لا تنتهي، كلها تحيط بالحياة اليوميّة. وكثيرًا ما يُسأل السوريّ: إلى أي جهة تنتمي؟ ما موقفك السياسي؟ أين كنت من أربعة عشر عامًا؟ غير أن هذه الأسئلة قادتني إلى سؤال آخر، أكثر عمقًا وإزعاجًا:
لماذا نجد أنفسنا، في لحظات الألم والظلم، نتحول بسهولة من ضحايا إلى متهمين، ومن متألمين إلى قضاة؟ لماذا يصبح الإنسان، بعد أن يتذوق الظلم، مستعدًّا أحيانًا لتبرير ظلم جديد؟ ما هو أصل الشر في هذا الواقع؟
بدأت أكتشف أن الشر الحقيقي ليس مجرد فعل خاطئ، بل قوة تتخفى بأقنعة الخير. أخطر ما في الشر أنه لا يقدم نفسه باعتباره شرًّا، بل باعتباره دفاعًا عن القيم، أو حمايةً للحق، أو ضرورةً تفرضها الظروف. وهنا تبدأ المساومة؛ شيئًا فشيئًا يصبح ما كنا نرفضه بالأمس مقبولًا اليوم، بل وربما واجبًا في نظرنا.
تذكرت هنا ما وصفته حنة آرندت بـ”تفاهة الشر”. فالشر العظيم لا يصدر دائمًا عن أشخاص يكرهون الخير، بل قد يصدر عن أناس توقفوا عن التفكير، وعن أشخاص جعلوا أنفسهم مركز العالم، فأصبحت مصلحتهم أو جماعتهم أو قناعاتهم هي المعيار النهائي للخير والشر. عندها لا يعود الشر استثناءً، بل يصبح أمرًا عاديًا، نبرره، ونمنحه الشرعية، ونطلق عليه أسماءً جميلة.
وأدركت أيضًا أن الشر يشبه ظل الخير؛ فهو لا يعيش وحده، بل يتغذّى على الأشياء النبيلة حين تُفصل عن حقيقتها.
لكن الإنجيل يقدم طريقًا مختلفًا.
فيسوع لم يأتِ ليقضي على الأشرار، بل ليقضي على الشر، ويخلّص الشرير. لقد واجه الشرير والشر معًا، وسعى في الوقت نفسه إلى خلاص الإنسان وإلى هزيمة القوة التي تستعبده. لذلك لم يكن هدفه الانتقام، بل التحرير.
وأمام الشر، يبقى الخوف هو الاستجابة الأولى. وهذا أمر طبيعي. لكن الخوف ليس الكلمة الأخيرة. الإيمان يبدأ حين نرفض أن نجعل الخوف هو الذي يحدد أفعالنا، وحين نثق بأن الشر، مهما بدا قويًا، لا يملك الكلمة الأخيرة في التاريخ.
وأمام هذا الشر المؤسس تحوّل سؤالي بشكل أعمق باتجاه العدالة.
فبعد كل حرب، يطالب الجميع بالعدالة. لكن ما هي العدالة؟ هل يمكن أصلًا أن تُعيد إلى كل إنسان ما فقده؟ أو السنوات التي ضاعت؟
أصبحت أؤمن أكثر فأكثر أن العدالة، وإن كانت ضروريّة، ليست كاملة. فالعدالة البشريّة لا تستطيع أن تعطي كل واحد حقه الكامل، لأن بعض الخسائر لا يمكن تعويضها. وربما يكون الهدف الأسمى للعدالة ليس الاقتصاص، بل أن يصبح ما حدث مستحيل التكرار؛ لكن حتى هذا لا يمكن تحقيقه. عند هذا الحائط المسدود، حيث تقف كل محاكم الأرض عاجزة، لم يعد أمامي إلا أن أطرح السؤال الذي يبدو غير معقول في منطق الحرب: سؤال الرحمة. ليس لأنني تنازلت عن الحق. فالرحمة ليست تنازلًا أمام الشر، وليست ضعفًا أمام الظالم. إنها القوة الوحيدة القادرة على كسر الدائرة التي يعيد فيها كل مظلوم إنتاج الظلم. الرحمة لا تلغي العدالة، لكنها تتجاوزها. وإذا كانت العدالة عاجزة على أن تمنح الإنسان ما يستحقه، فإن الرحمة تمنحه ما لا يستطيع أن يستحقه أبدًا. ربما كانت هذه هي الرسالة التي بدأت حلب تعلمني إياها.
جئت أبحث عن معنى الرسالة، فاكتشفت أن الرسالة ليست مشروعًا أقوم به، بل طريقًا يغيرني أنا أولًا. جئت أظن أنني سأساعد الآخرين على تضميد جراحهم، فإذا بالمدينة تكشف جراحًا وأسئلةً في داخلي لم أكن أعرفها.
ربما لهذا لم تعد رسالتي اليوم أن أبحث عن تفسير للشر، ولا حتى عن عدالة كاملة، لأنني أدركت أن الشر يترك في التاريخ جراحًا لا تستطيع أي محكمة أن تمحوها. رسالتي أصبحت أن أحرس قلبي، حتى لا يتحول، باسم الخير أو العدالة أو الحقيقة، إلى مكان يولد فيه الشر من جديد. فالهزيمة الحقيقية ليست أن ينتصر الشر في لحظة، بل أن يقنعنا بأن نصبح صورته. أما الرحمة، فهي رفضٌ جذري لمنطق الشر؛ إنها الإيمان بأن الإنسان لا يُقاس بجريمته، ولا يُختزل في أسوأ لحظات حياته، بل يبقى دائمًا أكبر من سقوطه، لأن الله لا يرى في الإنسان ما كانه فقط، بل ما يستطيع أن يصير إليه.
وأن المستقبل لا يجب أن يبقى رهينة الماضي، وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي تعلمته في السنة الماضية. ليس كيف أجيب عن أسئلة الحرب، بل كيف أبقى إنسانًا بعدها.

الدارس جوليان زكا الراسي اليسوعي

أخبار ذات صلة

Luke Olsen, the Newcomer to our province

Luke Olsen, the Newcomer to our province

My name is Luke and I’m happy to introduce myself to the province. I was born in Washington State in the western part of the United States. At university I studied French, theology, and peace studies. After university I studied theology again, earning a master’s degree in theology before entering the Society of Jesus in 2021.

قراءة المزيد
بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

بين التحدي والنعمة خبراتُ عامٍ بين الخدمة والدراسة

عندما بدأت مرحلة التمييز لاختيار التخصص الذي سأتابع فيه دروسيّ اللاهوتيّة، كان هناك مُؤشراتٌ كثيرة تقودني نحو القانون الكنسيّ، سواء من خلال رغبة بعض المُكوّنين، أو مَيْلي الشخصيّ. ومع ذلك، لم يكن هذا الخيار يثيرُ الحماسة لدى كثيرين. فكانت ردودُ الفعل تتكرر كلَّما ذَكرتُ هذه الرغبة: ماذا سيفعلُ الِيسوعيّ بدراسةِ القانون الكنسيّ؟ كيف يمكن لهذا التخصص أن يخدم رسالتنا؟. كنتُ أسمعُ هذه الأسئلةَ وغيرها، وربما حملت بعضها في داخلي أيضًا.

قراءة المزيد
Share This